الجزائر الجزائرية

"الجزائر الجزائرية " ديغول "


الجزائر و أولاد ديغول  01 :


 الفصل الأول

1 - «الجزائر الجزائرية»
الطريق المباشر إلى الاستعمار الجديد 

إن مصطلح «الجزائر الجزائرية» الذي استعمله ديغول بالمناسبة يمثل الخلفية والتوجه والإيديولوجية، نوعا ما، والغطاء السياسي، حتى لا نقول الغلاف، لهذه الإستراتيجية الشاملة. فهذا المصطلح ليس وسطيا ولا متبذلا، ويظهر مغريا للشعب الجزائري، لكنه لا يعدو أن يكون غير عدائي. فالمقصود منه حقيقة هي سياســة تهــدف أساسًا إلى قطـع صلة الجزائر بعروبتها وانتمائها للإسلام الذي طبعها مدة 14 قرنا.

يجدر في هذا الصدد أن نوضح أولا مصطلحي «القوة الثالثة» و«الجزائر الجزائرية» مع التذكير بمحتوى استيراتيجية فرنسا في هذا الشأن.

لقد فعل ديغول بكل ما بوسعه للإبقاء على الوضع الاستعماري للجزائر وإن كان قد تقبل مبدأ الاستقلال منذ وقت طويل كما أشار إلى ذلك عدة مؤرخين فرنسيين. لكن الأحداث تبين جليا أنه لم يكن ينظر إلى استقلال الجزائر إلا كإجراء أخير، بعد أن استنفذ جميع الوسائل. لهذا كان تعزيز القدرة العسكرية الفرنسية كخيار حتمي قد فرض نفسه، لاسيما منذ 1958.

وقد ترجم هذا أيضا بالرفع من المجندين من تعداد «الفرنسيين المسلمين» الذين يعملون كإضافيين لتدعيم الجيش الفرنسي في مجهوده الحربي. حيث يقدر عدد المتعاونين الجزائريين المسجلين مع فرنسا في مارس 1962 بمائتين وخمسين ألف رجل من بينهم 160000 احتياطي. هناك ارقام مختلفة تتحدث عنها مصادر كثيرة. لكن يبدو أن رقم 250000(الذي يؤكده محند حمومو) هو المعقول.

ويشمل هذا الرقم العسكريين المهنييين وجنود الخدمة العسكرية «المسلمين».

والإضافيين والمتعاونيين المدنيين الذين يمارسون وظائف إدارية أو يمثلون النخب التي تعمل كواسطة بين سلطة الاحتلال والشعب الجزائري الذي تتولى تسيير شؤونه.

إن توظيف الجزائريين «المسلمين» والإعتناء بعمالة مدنية وعسكرية بهذه الأهمية يهدف إلى ربط الجزائر بفرنسا تحت أشكال جديدة.

الهدف الأول من استعمال هذه القوة الهائلة من الأهالي هو تحطيم جيش وجبهة التحرير الوطني، ولتظهر فرنسا بهذا للشعب الجزائري أن هناك بدائل أخرى غير الاستقلال «كالاندماج» مثلا أو «الاستقلالية والإتحاد مع فرنسا» كما يقترحه ديغول في خطابه حول تقرير المصير في سبتمبر 1959.

فمن الطبيعي أن يشكِّل المتعاونيين العسكريين والمدنيين دعامة لنظام سياسي متجدد، وهياكل لجزائر جديدة تكون قد اختارت «الاندماج» أو «الاتحاد» مع فرنسا. ويتعلق الأمر بتشجيع بروز «قوة ثالثة» تكون وسطية بين من يريدون جزائر فرنسية والمدافعين عن استقلال الجزائر. سيكون لهذه القوة «الثالثة» (المكونة من النخبة السياسية والجيش والشرطة والادارة) المعارضة لجبهة التحرير الوطني والمتميزة عن المعمرين مهمة إدامة الهيمنة الفرنسية ووجودها في الجزائر في جميع المجالات. بعبارة أخرى، لن يبقى تسيير شؤون الجزائريين تتحكم فيه مباشرة فرنسا، مثلما كان عليه الأمر في ظل نظام الاحتلال، لكن بواسطة جزائريين ذوي توجه فرنسي أُعِدُّوا للمناسبة في «قوة ثالثة».

على كل حال، فمنذ 1830 وطوال 130 عاما، كان احتلال الجزائر عبارة عن مسار متواصل يطبعه العدوان العسكري والقمع السياسي والعنف القضائي والإضطهاد الثقافي والاستغلال الاقتصادي الفادح لفائدة المعمرين وأقلية من «الفرنسيين المسلمين» المقطوعة عن الشعب الجزائري والمرتبطة بقوى الاحتلال بامتيازات من كل نوع. إذن «فحزب فرنسا» كان موجودًا دائما منذ القرن التاسع عشر. ويضم في صفوفه عدة فئات من الموظفين المهنيين والاجتماعيين (عسكريين وموظفين وأصحاب مهن حرة وأصحاب أملاك ومقاولين). لقد قامت المدرسة والجيش الفرنسي نوعا ما باستلاب هذه النخب لصالح الدولة الاستعمارية التي كانت تكفل لهم وضعية متميزة عن الشعب الجزائري.

إن تيار « حزب فرنسا» هذا الذي أطلق عليه بالمناسبة إسم «القوة الثالثة» والذي حاولت فرنسا تأسيسه قبل 1962 على شكل مؤسسات بغية التحكم في مصير الدولة الجديدة، نابع من المخطط الاستعماري الجديد. هؤلاء الجزائريون الموالون لفرنسا المشكلون في «قوة ثالثة» (أطلق عليهم فيما بعد اسم «حزب فرنسا» الذي سيقع على عاتقه إقامة هذه المؤسسات بحصولهم على الحكم بتزكية فرنسا.

وتتوفر فرنسا لهذا الغرض على وسائل بشرية ومادية ومالية معتبرة لتجسيد مشروعها المتمثل في «القوة الثالثة» لكن خارج الشعب الجزائري، بل حتى ضده. يتمثل الهدف النهائي طبعًا في الإبقاء على الهيمنة الفرنسية في الجزائر لاسيما على الصعيدين الاقتصادي والثقافي. ولإخفاء النوايا الاستعمارية الجديدة لهذا المشروع تم إضفاء اسم غامض عليه وهو «الجزائر الجزائرية».

هذا المصطلح يبدو ظاهره عاديًا ولا يدعو لأية معارضة، لكن باطنه يحوي الكثير، وقد استعمله ديغول ورجال السياسة الفرنسيون ووسائل الإعلام خلال السنتين الأخيرتين من حرب التحرير.

يفهم من هذا المفهوم أن فرنسا مستعدة إلى أقصى حد لقبول استقلال الجزائر السياسي لكن بإفراغ محتواه. يعني هذا على الخصوص أن فرنسا لن تقبل أن تسترجع الجزائر شخصيتها الأصلية المبنية على العروبة والإسلام. لم تكن الفكرة في هذا السياق إلاّ لأن تُعجِب فرنسا، وهو أن ترى الجزائر مستقلة شكليًا لكن ضعيفة واهنة منبطحة ومرتبطة بفرنسا في المجالات الاستراتيجية.

إن تصور فرنسا «للجزائر الجزائرية» يفترض بكل وضوح الحفاظ على «الإشعاع الثقافي الفرنسي» وذلك بالإبقاء على الفرنسية كلغة رسمية للجزائر المستقلة على حساب اللغة العربية. وهذا يؤدي في الوقت نفسه إلى الحفاظ على المصالح الاقتصادية لفرنسا بعد الاستقلال، بل أن اللغة العربية تم التضحية بها في مذبح إيفيان، كما سنرى لاحقًا.

لقد ترجمت فكرة «الجزائر الجزائرية» بإعداد وتطبيق استراتيجية حقيقية اُستُكملت في عهد ديغول وتهدف إلى إبقاء الجزائر «المستقلة» في أحضان فرنسا.

وهكذا كان إنشاء «قوة (مسلحة) محلية» وتنظيم الإدارة والاقتصاد يتفق مع هذا الانشغال الأعظم وذلك بتزويد الجزائر بأجهزة مناسبة موالية لفرنسا وبخلق نظام سياسي واجتماعي يعارض أهداف جبهة التحرير الوطني وتطلعات الشعب الجزائري، قبل حصوله على الاستقلال بوقت طويل. وهكذا تم تلغيم الجزائر عند نهاية فترة الاحتلال.

سنعود إلى هذه المسائل بإيجاز لندعم بها أقوالنا ونكشف عن تعقد الأزمة التي تتخبط فيها الجزائر منذ الاستقلال، لاسيما خلال العشرية الحمراء لسنوات 1990. 
.
.
يتبـع...

تعليقات